جريدة فوتبول

جريدة فوتبول

    ...

عـلي كـاظـم .. (رعــب) لم يعـتـزل بـعــد مـن ذاكـرة حـراس المـرمـى!

عـلي كـاظـم .. (رعــب) لم يعـتـزل بـعــد مـن ذاكـرة حـراس المـرمـى!

شارك هذا الموضوع

من يوم .. لآخر

يكتبها : علي رياح

 

عـلي كـاظـم .. (رعــب) لم يعـتـزل بـعــد مـن ذاكـرة حـراس المـرمـى!

 

شهرته لم تكن بخارا  .. ونجوميته لم تكن حادثاً عرضياً .. نفض يديه – وقدميه أيضاً – من الكرة قبل حوالي أربعة عقود من عمر الزمن ، فاستراح من همومها ، وأراح حراس المرمى من خطره الداهم ، لكن ذكراه – كواحد من ألمع مهاجمي الكرة العراقية – بقيت مقيمة لم يعبث بها تقادم الدهور والأجيال ، ولم تجنح  بها أهداف النجوم اللاحقة عن مكان القمة!

هو علي كاظم ، الرهيب أمام المرمى صاحب أكبر محصلة تهديفية بين اللاعبين العراقيين خلال العقد السبعيني ، حتى بلغ الأمر بالنقاد أنهم إذا احتاروا في نسبة هدف لمنتخب العراق أو لنادي الزوراء ، ألحقوه بسجل علي كاظم!

 

*         *        *

 

وعلي كاظم أطلق موهبته كلاعب مهاجم لا يشق له غبار مع نهاية العقد الستيني حين كانت الملاعب منهمكة في وداع عمو بابا وهشام عطا عجاج أشهر هدافي العقد ، وبينما كانت نسمة تجديد لا تخطئها العين ، تمرّ على سوح الكرة العراقية .. والعجيب أن علي كاظم كاد يفشل لضآلة جسمه في الاختبار الذي كان سيقرر استمراره من عدمه ، وكان حصول ذلك يعني خسارة موهبة من منطلق إلنظر الى المظهر دون الخوض في المضمون!

حدث ذلك عام 1965 حين كان علي كاظم لاعباً في فريق المتوسطة الجعفرية في منطقة الشيخ عمر الشهيرة ببغداد .. كان طالباً يتهرب من الدرس ويلوذ بالملعب ليجري وراء الكرة ، وتشاء المقادير ويسمع مكتشف النجوم المدرب جرجيس الياس بمجموعة مواهب في فريق المدرسة ، ويطلب من الجميع أن يقدموا إلى ملعب فريق السكك الذي كان الياس يدرب أشباله ، بقصد الاختبار .

وخاض اللاعبون الاختبار ولم ينجح أحد ، أما الصغير علي كاظم ، فلم يشترك عمليا في الاختبار ، لأن جسمه لم يكن ليصلح اساساً لمتطلبات القوة في كرة القدم .. بيد أن مشجعاً كروياً ألحّ على المدرب بأن يجري الاختبار لعلي كاظم ، ولن يخسر الكثير إذا اقتنع المدرب بعدم جدوى قبوله ، أما إذا وجد فيه ما لم يجده في الآخرين ، فان العملية برمتها ستكون مربحة للمدرب!

واختـُبر علي كاظم وفجّر المفاجأة حين لعب الكرة بحرفنة شديدة ولاسيما في إيداعها الشباك من مسافات بعيدة .. وطار جرجيس الياس فرحاً ، وانضم علي إلى فريق شباك السكك ، ولم تكد تمضي عليه سنتان حتى وجد نفسه في الخط الأول إلى جانب لاعبين آخرين برعوا في تلك الفترة ومنهم الأخوان حازم وأنور جسام وجلال عبد الرحمن وغيرهم!

 

*        *       *

 

وابتسم الحظ لعلي كاظم في أول مباراة في الدوري الكروي ، حين أحرز للسكك هدف الفوز على فريق القوة الجوية بطل الدوري وقتئذ .. ومع نهاية عام 1967 كان علي كاظم يغزو الفرق ويقض مضاجعها ويهز شباكها وأعصابها .. وأقبلت الكرة ومباهجها على اللاعب الغض جسماً ، الغليظ بأساً .. فاختير لمنتخب الشباب الذي فاز في بغداد عام 1969 على منتخب المانيا الشرقية الوطني بثلاثة أهداف دون رد .. وأحدث الفوز فرحة مدوية في العراق فيما تسبب في إقالة الاتحاد الالماني للعبة !

وكانت الفرحة الحقيقة لعلي كاظم أن يجد نفسه عضواً فعالاً في المنتخب العراقي الأول ، وكان له ما أراد ، فلعب أمام بولندا في بغداد وانتهى اللقاء بالتعادل 1/1 ، ليبدأ عهد جديد في مسيرة هذا اللاعب الذي كان على الورق يؤدي مهامه بقدمه اليسرى .. لكنه عملياً كان خليطا متجانسا من كل عوامل نجاح الهداف .. سرعة في الحركة ، مهارة في المراوغة ، دقة في التمرير ، جودة في الانتشار ، براعة في التصويب .. وهكذا تربّع علي كاظم على عرش الأهداف .. تاركاً المهاجمين الآخرين يستمطرون السماء لسقياهم .. كما يقال!

ودارت عجلة الألقاب الفردية .. في عام 1971 نال لقب هداف تصفيات المجموعة الغربية لبطولة أمم آسيا في الكويت وقد أحرز 8 أهداف ، ومما يروى أنه كان مصاباً ، لكنه أخفى مكابداته عن المدرب واشترك وفي ختام التصفيات أماط اللثام عن الإصابة!

 

*        *       *ً

 

وإن كان ثمة حدث إبداعي شهد لعلي كاظم بالبراعة في هز الشباك ، فهو ولا شك ذلك المتلقي الكروي الخليجي الرائع في الدوحة عام 1976 .. كانت تلك البطولة الرابعة التي يشترك فيها العراق للمرة الأولى .. وجاء المنتخب بأبهى صنوف الإبداع الهجومي تحت قيادة المدرب الاسكتلندي داني ماكلنن .. أما علي كاظم ، فقد كشف عن كل وجهه الهجومي دفعة واحدة في هذه البطولة فأحرز 8 أهداف منها 3 في مرمى مبروك التركي حارس السعودية ونال الترتيب الثاني بعد مهاجم الكويت الفذ جاسم يعقوب  9  أهداف وتساوى معه المهاجم الكويتي فيصل الدخيل  8  أهداف ايضاً!

تلك البطولة أطلقت شهرة علي كاظم خليجياً ثم في كل الأرجاء ، فصار موضع ثقة الجمهور العراقي في أية مباراة وبطولة .. ولعل الفصل المدهش في موهبة علي كاظم ثم حكايته مع الأهداف ، تجسّد حين اقترن اسمه بالرقم 4 فهو أكثر لاعب عراقي أحرز هذا العدد من الأهداف في مباراة واحدة ، وبشكل متكرر .. وإذا كانت ذاكرة الحارس البحريني العملاق حمود سلطان طرية ، فإنها ستشهد بأن علي كاظم هز شباك سلطان 11 مرة خلال 3 مباريات بين العراق والبحرين .. وكان بين عمالقة المرمى العربي الذين تعامل معهم علي كاظم بلغة الأهداف الكويتي أحمد الطرابلسي والمغربي الهزاز والليبي الفيتوري وغيرهم!

 

*           *         *

 

وفي مقابل هذا المجد التهديفي الذي قلّ أن يتكرر عراقياً على الاقل ، فأن من أكبر المفارقات في سجل علي كاظم ألا يكون هدافاً للدوري العراقي سوى مرة واحدة على مستوى فرق المؤسسات وليس الأندية .. كان ذلك في الموسم 1971- 1972 وعدا ذلك تخصص هو بإحراز ألقاب التهديف العربية والدولية .. ولم يكن هذا (الفقر) المحلي يشكل نقيصة من وجهة نظره لسببين .. (الأول إن همي كان الحصول على البطولات خصوصاً في مرحلة انطلاقي مع الزوراء محليا ابتداء من عام 1974 ، وقد نال الزوراء في المدة حتى عام 1981 ما لم ينله هو أو أي فريق آخر من قبل أو من بعد .. والسبب الثاني إن لقب الهداف لا يعني لي الشيء الكثير ، إذا جاء على حساب الفريق ككل .. ونحن في الغالب نجد هدافي الدوري العراقي من اللاعبين غير النجوم ، وهذا الشيء يهوّن الأمر كثيراً)!

 

*         *        *

 

وعلي كاظم من جيل كروي هو محط الترحّم في ألسنة وقلوب وعقول الجمهور الرياضي العراقي ، لأنه جيل أخذ على عاتقه أن يعطي وأن يعطي ولا يفكر في ما يأخذ حتى لو (ضغط) على كل التزاماته الشخصية والاجتماعية  .. ففي عام 1975 اختير علي كاظم من قبل الاتحاد العراقي لكرة القدم بطلاً لذلك العام ، لا لأنه ساهم في تحقيق الانتصارات الكروية لنادي الزوراء ومنتخب العراق ، بل لأنه ضرب مثالاً رائعاً في الوفاء للفريق الذي ينتمي إليه ، وهو الزوراء .. فبالرغم من فجيعته البالغة يومذاك بوفاة والده قبل مباراة الزوراء مع الصناعة ضمن الدوري ، لبى نداء الفريق ولعب مباراة ناجحة رغم الآلام النفسية التي كانت تعتصر قلبه.

ومن هذه النقطة بالذات ينطلق أشهر هدافي العقد السبعيني ليقول كلمة حريّة بأن تقرأ ..

(سلاح اللاعبين يجب أن يكون بذل آخر قطرة في الملعب وعدم التقاعس ، حتى لو تقين اللاعب أن طاقته لا تسعفه إلا لركض مسافة محدودة .. إنني لا أعرف شيئاً اسمه تقسيم جهد اللاعب على عدد من المباريات ، وإنما أؤدي كل مباراة بطاقة كاملة حتى لو عرفت أن نهايتي كلاعب ستكون مع خاتمة هذه المباراة)!

 

*        *       *

ولم تكن رحلة علي كاظم مع الكرة شهدا كلها .. فثمة فصول أمرّ من العلقم .. فصول الإصابة التي ما انفكت تلاحقه ، فقطعت عليه تسلسل الظهور المنتظم ، وأوصلته – في نهاية المطاف – إلى الاعتزال!

كان ذلك في عام 1981 بعد أن أتمّ بالفعل 75 مباراة دولية في عمر دولي امتد على مدى اثنتي عشرة سنة كان فيها حاضر الفكر والفكرة أمام المرمى خصوصا في ظهوره الأخير في نهائيات دورة موسكو الأولمبية .. يومها انهمر سيل الإصابات ، فكانت فترات الغياب تطول ، ولم يكن أمام نجم العراق البارع إلا أن يفي بأصعب وأخطر عهد يمكن أن يقطعه لاعب كبير على نفسه ، فحين كان في علياء شأنه مالئ الدنيا وشاغل (الحراس) قال : (سأعتزل في اللحظة المناسبة .. لن أدع جمهور الكرة يعطف عليّ بنصيب إعجاب .. سأعتزل وأنا احظى بالأعجاب كله)!

وقد كان .. رفع يده ملوحا بوداع الملاعب عام 1981 واضعاً النقطة الأخيرة أمام آخر سطر لامع وحكمة متقدة في سجله!

 

*         *         *

 

شهاداته .. على لسانه!

 

* لعل المفارقة الأكبر في حياتي ، أنني وبرغم ألقابي الخارجية لم أنل لقب هداف الدوري إلا مرة واحدة .. وحسبي في ذلك أن اللقب المحلي كان يذهب إلى مهاجمين مغمورين في معظم الأحيان!

* طاعة الحكم في الملعب لن تنقص من قدر اللاعب.

* اعتز أيّما اعتزاز بالهدف الذي سجلته من مسافة 30 ياردة في مرمى الكويت خلال بطولة آسيا عام 1975 .. وكان يقف في المرمى وقتذاك الحارس أحمد الطرابلسي الذي أعدّه أحسن حارس لعبت أمامه في حياتي.

* كان الزوراء قليل الوفاء معي حين اتجهت إلى ميدان التدريب ، فحين تسلمت مقاليد التدريب فيه عام 1991 أحرزت لهم لقباً محلياً مهماً وجرى الاستغناء عن خدماتي في يوم الاحتفال بهذا الفوز!

* الحسرة الوحيدة التي ملأت نفسي أنني لم العب في نهائيات كأس العالم!

* خرجت من ملاعب الكرة كما دخلتها .. فلم أوظف شهرتي في التجارة ، لأنني اعتقدت دائماً أن دوري الأساسي يتجسد في الشطارة أمام حراس المرمى وليس الشطارة في الكسب المالي!

* بطولات الخليج العربي تبقى النبع الصافي الذي لا بديل عنه للمنتخبات المعنية – وبضمنها العراق – فهي الحضن الذي أنجب الكفاءات ، ومنه انطلقت أسماء لا يمكن لها الانطلاق في أية مسابقة أخرى!

 

شارك هذا الموضوع

اترك تعليق

اكتب تعليق